
يبدو أن المعلومات التي أُرسلت إليكم لم تخضع للتحقق الكافي، وبعضها يجانب الحقيقة بصورة واضحة، ولذلك فإن تصحيح الوقائع يصبح أمرًا ضروريًا، خصوصًا عندما تتحول معلومات غير دقيقة إلى مادة لبناء رواية سياسية تستهدف أشخاصًا وعائلات بعينها.
أما الزعم بأن نجل رئيس الجمعية الوطنية، محمد بمب مكت، دخل الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «سنيم» بواسطة والده، فهو ادعاء يحتاج إلى دليل، لا إلى مجرد التلميح والتكرار.
فالرجل مهندس دولة، ومساره داخل الشركة لم يبدأ بمنصب قيادي، ولم يُدفع به مباشرة إلى موقع مسؤولية، بل أمضى أكثر من إحدى عشرة سنة في خدمة «سنيم»، راكم خلالها خبرة مهنية وعلمية، قبل أن يتولى منصبه الحالي كرئيس مصلحة، وليس مديرًا كما حاول البعض تصوير الأمر.
ومن يعرف طبيعة العمل داخل «سنيم» يدرك أن سنوات الخدمة والخبرة المهنية ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه بجملة عن «الواسطة». كما أن من عايشوا الرجل داخل المؤسسة أقدر على تقييم كفاءته وأدائه من أولئك الذين لا يعرفون عنه سوى اسم والده.
ولم تقتصر المعلومات غير الدقيقة على هذا الموضوع، بل ورد كذلك أن سيد أحمد مكت كان يعمل في شركة تسويق الأسماك، وهو ما ننفيه بشكل قاطع بحسب المعطيات التي نستند إليها؛ إذ لم يعمل يومًا في شركة تسويق الأسماك.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كانت معلومة أساسية من هذا النوع غير صحيحة، فكيف يمكن بناء استنتاجات سياسية واسعة عليها؟ إن الحديث عن المسارات المهنية للأشخاص يتطلب الدقة والتحقق، لأن نسبة وظيفة أو منصب إلى شخص لم يشغله أصلًا ليست مجرد هفوة تحريرية، بل معلومة خاطئة يمكن أن تُستخدم لتكوين صورة غير حقيقية لدى القارئ.
كما ورد كذلك أن يعقوب ولد مكت كان يعمل في المكتب الوطني للإحصاء، بينما تفيد المعطيات التي نطرحها بأنه يعمل في الشركة الموريتانية لتسويق الأسماك، وهو خريج جامعات فرنسية ويحمل دراسات عليا.
والغريب أن من يروّج لهذه المعلومات يمنح أبناء رئيس الجمعية الوطنية، بسخاء لافت، صفة «مدير»، وكأن جميع أبنائه يتولون مناصب إدارية عليا.
وهنا لا بد من توضيح أمر بسيط: لا يوجد، بحسب المعطيات التي نطرحها، أي واحد من أبناء محمد بمب مكت يشغل منصب مدير.
ومن يملك عكس ذلك فليقدم الدليل، وليذكر اسم الابن، والمؤسسة التي يعمل فيها، والمنصب الذي يشغله، وتاريخ توليه له. أما إطلاق صفة «مدير» على الأشخاص دون تحديد المؤسسة والمنصب، فهو تضخيم للوقائع أكثر منه نقلًا دقيقًا للمعلومات.
أما إقحام شقيقه الحسين ولد مكت في هذه الرواية، فهو بدوره لا يصمد أمام الوقائع. فالحسين ضابط في المؤسسة العسكرية، وله مسار مهني وأكاديمي طويل، ويحمل مؤهلات علمية معتبرة، وحصل على درجة الدكتوراه.
والأهم من ذلك أن الفترة التي تولى فيها محمد بمب مكت قيادة القوات المسلحة لا تقدم الدليل الذي يحاول البعض تقديمه اليوم؛ فقد تم اختيار وترقية شخصيات أخرى، رغم أن الحسين كان يتقدم بعضهم من حيث الأقدمية، فضلًا عن مؤهلاته العلمية.
وبمنطق الرواية التي يحاول البعض تسويقها، كان من المفترض أن يكون الحسين أول المستفيدين من موقع شقيقه، لكن الوقائع لا تقول ذلك. وهذا وحده كافٍ لطرح علامة استفهام حول الأساس الذي تقوم عليه تلك الاتهامات.
ولا ينبغي كذلك إغفال مسار شقيقه اليدالي ولد مكت، الذي شق طريقه بنفسه داخل المؤسسة التعليمية، وتدرج في مساره المهني قبل أن يصبح محمد بمب مكت شخصية معروفة داخل المؤسسة العسكرية.
وهنا تصبح المسألة أوضح: كيف يمكن اختزال مسار مهني بدأ قبل بروز الشقيق في مواقع النفوذ، في مجرد الاستفادة من نفوذه؟ إن التسلسل الزمني وحده يضعف هذه الرواية، لأن اليدالي كان قد بدأ بناء مساره المهني واكتساب خبرته ومكانته قبل أن يصبح محمد بمب مكت شخصية معروفة داخل المؤسسة.
ثم يأتي البعض ليضع أسماء أخرى في السلة نفسها، وكأن كل نجاح مهني أو علمي لشخص ينتمي إلى أسرة معروفة لا يمكن أن يكون إلا نتيجة للقرابة أو المحسوبية.
ومن ذلك الحديث عن أحد أبناء أسرة أهل أحمدو، المعروفة بمكانتها العلمية والاجتماعية، ومحاولة ربط نجاحه بعلاقة المصاهرة بين الأسرتين. وهذا منطق لا يستقيم؛ فوجود علاقة اجتماعية أو مصاهرة بين أسرتين لا يلغي الكفاءة، ولا يحول خريج جامعة عريقة إلى شخص فاقد للاستحقاق.
إذا كان الرجل يحمل مؤهلات علمية معتبرة، وتخرج من جامعة عريقة، وله مسار مهني مستقل، فإن نسب نجاحه إلى أسرة أخرى لمجرد وجود مصاهرة بينها وبين أسرته هو تجاهل لمساره الشخصي، وليس بحثًا عن الحقيقة.
والأمر ذاته ينطبق على أسرة أهل دلول، وهي أسرة معروفة في موريتانيا بمكانتها الاجتماعية، وقد عرف أبناؤها طريقهم إلى المسؤوليات والمناصب قبل أن يكون لمحمد بمب مكت أي دور يمكن أن يُنسب إليه فضل في ذلك.
ولعل الحبيب ولد دلول مثال واضح على ذلك؛ فقد دخل المؤسسة العسكرية وشق طريقه فيها، وتدرج في مساره المهني واكتسب خبرته من داخل المؤسسة، حتى وصل إلى ما وصل إليه. ومن يعرف المسار العسكري للرجل يعرف أن الخبرة والعمل والقدرة على إدارة الملفات عناصر أساسية في مسيرته، وليس من الإنصاف اختزال سنوات من العمل والتدرج في مجرد علاقة شخصية أو نفوذ عائلي.
إن المشكلة ليست في النقد، ولا في مساءلة أصحاب المسؤوليات؛ فذلك حق مشروع في أي مجتمع. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القرابة إلى تهمة، والمصاهرة إلى دليل إدانة، والنجاح المهني إلى شبهة، بل وعندما تُنسب إلى الأشخاص وظائف لم يشغلوها أصلًا، دون تقديم وثيقة أو واقعة محددة تثبت وجود تدخل أو واسطة.
من يملك دليلًا على وجود واسطة أو تدخل غير مشروع فليقدمه للرأي العام. أما إطلاق الاتهامات في الهواء، وربط مسارات عشرات الأشخاص باسم واحد لمجرد وجود صلة عائلية أو اجتماعية، أو تقديم معلومات مهنية غير صحيحة عنهم، فليس تحقيقًا في الوقائع، وإنما بناء لرواية سياسية على أساس هش.
فالحقائق لا تتغير بالتدوين، والمسارات المهنية لا تُمحى بالاتهامات، والكفاءة لا تصبح محسوبية لمجرد أن صاحبها ينتمي إلى أسرة معروفة.
ومن أراد أن ينتقد محمد بمب مكت أو غيره، فليختلف معه في مواقفه وقراراته وأدائه، وليقدم الوقائع والوثائق؛ أما تحويل أسماء الإخوة والأبناء والأسر إلى قرائن جاهزة على المحسوبية، وإقحام أفراد لم تثبت صلتهم بالوقائع المتداولة، فذلك لا يخدم الحقيقة ولا يحترم عقول المتابعين.


إضافة تعليق جديد