
استوقفني كثيرًا توصيفُ أحد الشخصيات الوطنية حالة "فقر النقاش السياسي" في بلدنا؛ فقد غدا من غير الملائم —ولا من المجدي— أن نخوض في شؤون وطننا اعتمادًا على ما نملك من فكر و رأي، ما لم يكن ذلك متحرّرًا من المبرّرات الشخصية والحسابات الضيّقة التي تخدم أفرادًا أو جماعات بعينها على حساب المصلحة العامة.
لقد طَفَت على سطح الساحة السياسية في الآونة الأخيرة مظاهرُ مقلقة تُشير إلى أن الحسابات النفعية أصبحت المحرّك الأول للكثير من المواقف، وأن بعض الخطابات باتت تُصاغ لضمان مكاسب آنية أكثر من سعيها لبناء تصوّر وطني طويل المدى. غير أنّ الزمن لا يعمل أبدًا لصالح الأطراف المحاصرة بين موقع المستفيد والمستفاد منه؛ لأن المكاسب السريعة لا تبني استقرارًا، ولا تصنع مستقبلًا..
ومن هنا، فإن على الجميع أن يدرك أن الوطن يتّسِع لكل أبنائه، وأن سعة الوطن لا تعني تطابق الآراء ولا صهر الاختلافات، بل تعني الاعتراف بها وإدارتها عن وعي، فلولا اختلافُ وجهات النظر، ما تقدّمت الأمم ولا تطورت أدواتها في التفكير والتخطيط.
فلنُشجّع إذًا الخلاف الراقي؛ ذلك الخلاف الذي يثري العقول، ويعمّق النقاش حول القضايا الجوهرية، ويرفع من مستوى الخطاب العام، بدل أن نهدره في معارك جانبية تخدم مصالح عابرة، مهما حاول البعض أن يُظهرها في صورة ما ليست عليه.
إنّ شعبا ينشغل نفسه في البحث في الأصول والأنساب بهدف تحطيم وجوده أو تمزيق نسيجه الاجتماعي، لا يمكن أن ينهض ما لم يوجه بوصلته نحو الارتقاء بحياته المشتركة، وإعلاء قيّم المواطنة، وصناعة مستقبل أفضل تتشارك فيه الأجيال بدل أن تتناحر وتتباغض.
ولنجرِ حلقة تقييم علمية سريعة لمواردنا؛ لسنُدرك —بقدر يسير من التوفيق وحسن التدبير— أننا قادرون على أن نكون دولة أقرب إلى الرخاء والعيش الكريم، مادام أمنُها محفوظًا ووحدتُها مصونة. ولينظر كلٌّ منا إلى العقود الماضية، فسيلاحظ ما شهدته منظومتُنا الصحية، وتحصيلُنا الدراسي، ودخلُنا القومي، وبقيةُ المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية من تحسّن، رغم غياب استراتيجيات واضحة آنذاك..
إن المستقبل واعد، ولنكن أكثر حرصًا -اليوم أكثر من أي وقت مضى- على إشاعة روح المواطنة والتآخي، بدل خطابات الكراهية وحصر التفكير في التاريخ وما تركه من مظالم وتجاوزات.
والله وليّ التوفيق.
إدوم عبدي اجيد


إضافة تعليق جديد