هل تُسدِِّد الدولةُ ديونَها؟ سؤالٌ مطروح على علماء الجمهورية يُحرِج بمجرِّد بساطته | الساعة

هل تُسدِِّد الدولةُ ديونَها؟ سؤالٌ مطروح على علماء الجمهورية يُحرِج بمجرِّد بساطته

التبويبات الأساسية

ثلاثاء, 08/18/2026 - 21:32

حسب معلومات استقيناها من المجلس الأعلى للفتوى والمظالم، تلقّى المجلس، في السادس من أغسطس الماضي، طلبَ فتوى غير مألوف. لا نعرف حتى الآن إلا القليل.

غير أن هذا القليل يكفي لطرح سؤالٍ ستكون الإجابةُ عنه، أيًّا كانت، حدثًا بحد ذاته.

يبدو أن أحد المتقاضين، مواطنًا كان أم شركة، لم نتثبّت من هويته بعد، قد أودع لدى المجلس طلبَ رأي شرعي.

سؤاله يُختصر في أسطر قليلة. فقد كسب دعواه ضد شخص من أشخاص القانون العام بعد استنفاد جميع درجات التقاضي، وصار الحكم نهائيًا منذ سنوات. ومع ذلك لم يُدفَع له شيء منذ ذلك الحين. لا لأن دَينه مشكوك فيه، ولا لأن قاضيًا ارتاب فيه، بل لسبب واحد لا غير: أن المحكوم عليه هو الدولة أو أحد فروعها.

واليوم، ثمة مادة قانونية قد تمحو حكمَه ودَينَه محوًا تامًّا.

هذه المادة موجودة، وهي علنية: إنها المادة 231 من قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية.

وبعبارة بسيطة، تخوّل هذه المادة وزيرَ العدل أن يطلب من المحكمة العليا إبطال حكم قضائي، دون أي قيد زمني، حتى لو كان الحكم نهائيًا، وحتى لو استُنفدت جميع طرق الطعن. والإبطال يسري «في مواجهة الكافة»، بمن في ذلك من كسب الدعوى.

بعبارة أوضح: يمكنك أن تكسب دعواك سنوات طويلة، درجةً بعد درجة، ثم ترى انتصارك يتبخّر بجرّة قلم، لأن خصمك شخص عمومي ولأن الإدارة بدّلت رأيها.

على هذه الآلية، وعلى رفضِ سدادٍ طال أمدُه، يُستفتى العلماء اليوم. والسؤال، حين يُطرح في الميدان الشرعي، يصبح سؤالًا مرهوبًا.

فالشريعة في هذا الباب لا تهمس، بل تحسم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ» )متفق عليه.( ليس

إهمالًا، ولا تأخيرًا إداريًا: بل ظلمٌ. ومال الغير معصوم، والدَّين الثابت لا يسقط بمرور الزمن، ولا بقوة المدين، ولا حتى بالموت.

وأمام القاضي يستوي الخليفة والراعي، وقد حفظ التاريخ الإسلامي ذكرى حكّامٍ قُضي عليهم لصالح أفراد عاديين، لأن هناك بالذات يُقاس عدل الدولة.

ويردّد العلماء منذ قرون قاعدةً يعرفها الجميع هنا: «الدولة تبقى مع الكفر ولا تبقى مع الظلم.»

فلنطرح السؤال إذن كما يطرحه أي مؤمن. إذا كانت الدولة، التي تجبي الضرائب، وتعاقب السارق، وتُلزم المواطن باحترام الأحكام، تستطيع أن تمحو الأحكام الصادرة ضدها هي نفسها، فماذا يبقى؟ ولماذا يسدّد التاجر ديونه إذا كان أقوى المدينين يُري الناس أن الدَّين يمكن ألا يُدفع؟ إن مجتمعًا لا يملك فيه الضعيف سبيلًا لإنفاذ حقه في مواجهة القوي ليس مجتمعًا سيّئ التسيير فحسب؛ بل هو، في ميزان الشريعة، مجتمع مبني على الظلم، والمصابُ هو الأساس نفسه.

ولن يسع المجلس الأعلى أن يكتفي بإشعارٍ بالاستلام. فقواعد الإفتاء يعرفها أعضاؤه أكثر من أي أحد: العالِم الذي يُسأل سؤالًا صحيحًا في ما هو من اختصاصه يجب عليه أن يجيب، وأن يجيب بفتوى معلَّلة.

وكتمانُ العلم مذموم بأشد النصوص.

وثمة تفصيل في العريضة، ما زلنا نسعى إلى التحقق منه، من شأنه أن يجعل الصمت عسيرًا بوجه خاص: فالمجلس الأعلى سبق له، قبل سنوات، أن نظر في ملف مشابه، وربما في الملف نفسه، وانتهى حينها إلى وجوب سداد الدَّين. فإن كان الملف نفسه، فإن المؤسسة تُسأل اليوم عن محو دَينٍ سبق أن شهدت هي نفسها بمشروعيته.

أشياء كثيرة ما زالت تنقصنا: هوية صاحب الطلب، والمبلغ محل النزاع، والجهة العمومية المعنية، ومضمون الأحكام القضائية على وجه الدقة. تحقيقاتنا متواصلة، بما في ذلك لدى مؤسسات أخرى ربما تلقّت إخطارات موازية. وسننشر ما نتثبّت منه، وثيقةً وثيقة.

غير أن أمرًا واحدًا لا يحتاج إلى انتظار نهاية تحقيقنا. فالسؤال مطروح على علماء الجمهورية طرحًا صحيحًا. وهو سؤال بسيط.

هل تسدّد الدولة ديونها، نعم أم لا؟ سنواتٌ طويلة من الصمت الإداري أجابت عنه على طريقتها.

وبقي على المجلس الأعلى أن يجيب على طريقته: بفتوى معلَّلة، واضحة، لا لبس فيها. وسيفهم الجميع أن عدم الجواب هنا هو في ذاته انحيازٌ إلى الظلم.

إضافة تعليق جديد